ابن عجيبة
267
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والأحزان والمتاعب . وقد كتب علي بن أبي طالب إلى سلمان - رضي اللّه عنهما - : « إنما مثل الدنيا كمثل الحية ، لين مسها ، قاتل سمها ، فأعرض عنها ، وعما يعجبك منها ، لقلة ما يصحبك منها ، ودع عنك همومها ؛ لما تيقنت من فراقها ، وكن أسرّ ما تكون منها ، أحذر ما تكون منها ، فإن صاحبها ، كلما اطمأن فيها إلى سرور ، أشخص منها إلى مكروه » . وعن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنه أنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن هذه الدار دار الثوى ، لا دار استواء ، ومنزل ترح ، لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخائها ، ولم يحزن لشقائها - أي : لأنهما لا يدومان - ألا وإن اللّه خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطى ، ويبتلى ليجزى ، وإنها سريعة الثوى - أي : الهلاك - وشيكة الانقلاب ، فاحذروا حلاوة رضاعها ، لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها ؛ لكريه آجلها ، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى اللّه خرابها ، ولا تواصلوها وقد أراد اللّه منكم اجتنابها ، فتكونوا لسخطه متعرضين ، ولعقوبته مستحقين . ه . ذكره ابن وداعة الموصلي . وذكر أيضا عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط منها بثلاث : شغل لا ينفد عناؤه ، وفقر لا يدرك غناه ، وأمل لا ينال منتهاه ، إن الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان ، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا ، حتى يستكمل رزقه ، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذ الموت بعنقه ، ألا وإن السعيد من اختار باقية يدوم نعيمها ، على فانية لا ينفك عذابها ، وقدّم لما يقدم عليه مما هو الآن في يده ، قبل أن يخلفه لمن يسعد بإنفاقه ، وقد شقى هو بجمعه واحتكاره » . ثم ذكر مآل من اغتر فيها ، قال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 63 إلى 67 ] قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ( 63 ) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ( 64 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ( 65 ) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ( 66 ) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ( 67 )